Monuments and Secrets
Siwa and its ten sisters

Article by
Dr. Zahi Hawas

Part Two

Part one

آثار وأسـرار
سيوة‏..‏ وأخواتها العشر‏!‏
بقلم‏:‏ د‏.‏ زاهي حواس

 

‏يبـدو أن المقالات التي نشرتها عن سيوة الجنة المفقودة علي هذه الصفحة، قد جعلت العديد من المصريين يسرعون الي زيارة سيوة، لقد كان هدفي من نشر هذه المقالات، أن نتعاون مع الوزيرة فايزة أبوالنجا وزيرة الدولة للشئون الخارجية، كي نحافظ علي خصوصية هذه الواحة،لأنها تختلف اختلافا تاما عن أي مدينة أو قرية في وادي النيل، لأنك لو زرت الواحة سوف تري فنونا ومنازل ولغات وعادات وتقاليد لها خصوصيتها، بل ان الحياة خارج وداخل الواحة شيء فريد غير موجود في أي بقعة علي أرض مصر‏.‏

والكثيرون منا لا يعلمون أن سيوة يجاورها أكثر من عشر واحات صغيرة غير معروفة، كل واحدة من هذه الواحات لها خصوصيتها،‏ وهناك العديد من العلماء الذين لايعرفون مكان هذه الواحات الصغيرة، فعندما كنت أقوم بالحفائر في الواحات البحرية التي كشفنا بها عن وادي المومياوات الذهبية الذي يعتبر ـ كما اشارت بذلك الصحف العالمية ـ توت عنخ آمون العصر اليوناني الروماني، وكشفنا كذلك عن مقبرة حاكم الواحات البحرية وزوجته والتي تعود الي نحو‏500‏ قبل الميلاد، ومازالت رمال الواحات البحرية تخفي العديد من الأسرار‏، وخلال وجودي بالواحات البحرية كنت أتعجب من بناء معبد الاسكندر الأكبر بها‏، والذي صور داخل قدس الاقداس وهو يقدم القرابين الي الإله آمون، وفي تلك الفترة حصلنا علي مرشد من أجل القيام برحلة شاقة وممتعة في طريق غير ممهد مليء بالمطبات واستغرقت هذه الرحلة نحو ثماني ساعات، رغم ان المسافة لاتزيد علي‏180‏ كيلومترا، وقد قرأت في الصحف أن هذا الطريق جار رصفه الآن، وهذا ما أخشاه لأنه سوف يجعل الافواج السياحية والمواطنين ينهالون علي الجنة المفقودة، واحة سيوة‏.‏
 



وخلال هذه الرحلة، وقفت لزيارة واحة أخري صغيرة تعرف باسم واحة البرين، وهي ضمن الواحات المجاورة لسيوة، فمن المعروف أن مصر يوجد بها خمس واحات كبيرة وهي الخارجة والداخلة والفرافرة وسيوة والواحات البحرية‏.‏

أما واحة البرين فتوجد بها ملاحات وأشجار نخيل، هذا بالاضافة الي وجود بقايا أثرية تدل علي أهميتها التاريخية، فهناك بقايا معبد يرجع الي عصر الأسرة الثلاثين‏(380‏ ـ‏343‏ ق‏.‏م‏)‏ من العصر الفرعوني، هذا بالاضافة الي بقايا مقابر منقورة في الصخر ترجع للعصر الروماني، وهي مقابر غير منقوشة وتشابه المقابر الموجودة في جبل الموتي بواحة سيوة من حيث التخطيط‏.‏

وقامت بعثة ايطالية بالحفائر الأثرية في هذه الواحة، وتم تسجيل الآثار الموجودة بها ومنذ نحو عامين، نشرت الصحف أن استاذا في الجيولوجيا من جامعة طنطا قام بالكشف عن واحة صغيرة بجوار واحة سيوة، وقد انزعجت كثيرا لهذا الخبر؟‏!‏ ليس للكشف عن الواحة، وانما لأنه ليس من المعقول أن تكون هذه الواحة غير معروفة لرجال الآثار، خاصة أن الراحل العظيم أحمد فخري قد جاب الصحراء الغربية شمالا وجنوبا، وقام بوصف الآثار الموجودة بها، بل وقام بالحفائر في كل الواحات الخمس وقام باكتشافات مهمة جدا تعتبر المرجع الوحيد لعلماء الآثار في هذا المجال، كما ألف العديد من الكتب التي لا تتحدث عن تاريخ الواحات الخمس فقط، بل تشرح لنا عادات وتقاليد الناس وتعتبر من أهم المراجع للدارسين المتخصصين سواء في الآثار أو في علم الانثروبولوجي‏.‏
 

وقد تم اعلان هذا الكشف في الصحف، وقمت بالاتصال بعادل السعيد يوسف مدير عام آثار مطروح والأثري عبدالعزيز الدوميري كبير مفتشي آثار سيوة، وقد أكدا لي ان هذه الواحة مسجلة أثريا‏!‏ وهي واحة ضمن عشر واحات صغيرة، كما أنها تعرف باسم واحة تميرة وتقع علي بعد‏80‏ كيلومترا شمال شرق سيوة، وهذه الواحة توجد بها آبار طبيعية للمياه واشجار نخيل وبعض المقابر المنقورة في الصخر وغير المنقوشة أيضا، يرجع تاريخها الي العصر الروماني، وبالمقابر العديد من الهياكل العظمية التي مازال بها بقايا كتانية من أثر التحنيط‏.‏

والشيء المؤسف أن هذه المقابر قد تم نهبها منذ القدم، ومازال هناك العديد من الأجانب الذين يجوبون هذه الأماكن بالعربات القادرة علي السير في الصحراء، وهذه الأماكن النائية تحتاج الي وجود طائرة مروحية للمرور عليها، بالاضافة الي ضرورة وجود أماكن صالحة لاقامة حراسة ثابتة علي هذه المواقع، ولكن الآثار الثابتة بهذه الواحة مسجلة ومعروفة لدي الأثريين‏.‏

وقد تحدثنا في مقالنا السابق عن سيوة وازدهارها في عصر الاسكندر الأكبر، كمكان خاص بالنبوءة والوحي، وكيف أن الإله آمون قد اشتهر في العالم الخارجي باتصاله بالإله جوبتر واصبحت نبوءته شهيرة ومعروفة، حتي ان الملك فيليب الثاني والد الاسكندر الاكبر قد حظي من هذه النبوءة بالكثير، وقد ذكر المؤرخ بلوتارخ انه بعد أن تزوج فيليب الثاني من الملكة اوليمبياس رأي في منامه أن رحم الملكة قد ختم بخاتم كانت طبعته فيما اعتقد علي شكل أسد، واعتقد العديد من مفسري هذا الحلم بأن هذا يشكك في عفة الملكة اوليمبياس، إلا أن فريقا آخر أشار الي أن ذلك يعني أن الملكة حامل وان المولود ذكر له شجاعة الأسد‏.‏
 

 

وهناك حلم آخر رآه الملك فيليب الثاني المقدوني، عندما وجد ثعبانا نائما بجوار الملكة، وهنا ارسل للكثيرين كي يتم تفسير هذا الحلم، وجاءت له الاجابة بأن كبير الآلهة أبوللو يأمر بأن يقدم القرابين للإله جوبتر ـ آمون، وهذا يفسر سر نبوءة آمون واحتلاله مكانة مهمة في العالم القديم خاصة في اليونان‏.‏

وقد ذهبت الي واحة سيوة أو الجنة المفقودة مع العديد من الكتاب المصريين، بالاضافة الي مجموعة منتقاة من سفراء الدول المهتمة بالجنة المفقودة‏.‏

وخلال الرحلة كان الجميع يستفسرون مني عن تاريخ الواحة وآثارها، وقد صحبتهم في زيارة لمعبد الوحي، ومجموعة المقابر الفريدة الموجودة بجبل الموتي، وخلال جلساتنا المستمرة داخل القرية الرائعة المعروفة باسم جعفر، والتي تعتبر من معالم سيوة الرائعة، واعتقد بأننا يجب أن نقلد منير نعمة الله صاحب القرية في اسلوب تنفيذه لها، لأنه يجعلك تكره نور الكهرباء والضوضاء وتعيش علي الشموع وتنام بعمق علي سرير من البوص وتأكل ما تجود به القرية من خيرات‏.‏

 

تقع واحة سيوة في الطرف الجنوبي الغربي من محافظة مرسي مطروح، وعلي مسافة‏300‏ كيلومتر من مدينة مرسي مطروح، وهي اقرب واحة بمصر لحدود الجماهيرية العربية الليبية، وايضا شاطيء البحر الأبيض المتوسط‏.‏

 

أما عن أصل كلمة سيوة فيصعب تحديدها، فنجد بعض الكتاب والمؤرخين اليونان والرومان قد أشاروا إليها في كتاباتهم علي أنها واحة جوبتر ـ آمون، نسبة الي وحي الإله آمون، الذي كان موجودا بها، كما ورد ذكرها في كتابات العرب تحت اسم سنتريه نسبة الي المدينة سنتربيه التي يتكلم أهلها اللغة السيوية‏.‏

 

ويربط سيوة بالواحات البحرية والسلوم والفيوم مجموعة من الطرق الصحراوية، كما يربطها بمدينة مرسي مطروح طريق يعرفه البدو باسم درب المحصحص، وهذا هو نفس الطريق الذي سلكه الاسكندر الاكبر لزيارة معبد الوحي للإله آمون، ويربط سيوة بمنف طريق يمر عبر واحة ام الصغير ويخترق منخفض القطارة حتي يصل الي وادي النطرون ومنه الي منف، ويعتقد البعض أن هذا الطريق قد سلكه الاسكندر الأكبر أثناء رحلة عودته من سيوة إلي منف، رغم أنني اؤكد ان الاسكندر قد اخترق الصحراء الي الواحات البحرية، وبعد ذلك سافر الي منف واستقر هناك شهرا كاملا‏.‏ ويعتقد البعض أن تاريخ سيوة يبدأ فقط مع بناء معبد الوحي للإله آمون، ولكن تاريخ الجنة المفقودة يعود الي عصر ما قبل التاريخ، حيث عثر علي بعض الأدوات الظرانية بها والتي تعود لفترة ما قبل التاريخ، هذا ولم يعثر علي آثار تعود الي الفترات التاريخية والفرعونية، وهذا يؤكد أن الوجود المصري لم يظهر خلال عصر الدولة القديمة والوسطي والحديثة‏.‏

ونستطيع القول إن اهم فترة ازدهرت فيها الواحات، كانت خلال الاسرة‏26‏ والعصر الروماني، وذلك لحدوث تحولات في العالم القديم تمثل اهمية خاصة، من بينها تحركات أشور واحتلالها لمصر، وربما كان ذلك دافعا قويا لحكام مصر للالتفات باهتمام لحدود مصر الغربية خاصة تأمين الحدود، حيث انه من المعروف أنه كان هناك اتصال وثيق بين وادي النيل والواحات عموما، خاصة الواحات البحرية وسيوة في هذه الفترة‏.‏

ويعد عصر الملك أحمس الثاني امازيس‏(569‏ ـ‏526‏ ق‏.‏م‏)‏ عصرا ذهبيا بالنسبة للواحات، فقد كان يصبو للسيطرة عليها لأنها المفتاح الخارجي لمصر من الجهة الغربية، خاصة طرق القوافل الذاهبة الي بلاد النوبة والسودان، ومن أجل ذلك عمل علي أن تكون هذه النقاط الاستراتيجية والتجارية في الصحراء تابعة له، ولذلك سعي أمازيس في أن يوليها عنايته واهتمامه، ويعمل علي توفير الأمن والثراء في ارجائها حيث اقام الحصون لصد اعداء مصر من الحدود الغربية، كما اقام أمازيس معبد الوحي‏.‏ واعتقد أن سيوة كانت مجهولة تماما للمصريين خلال العصور الفرعونية كما ذكرنا، وان خط الدفاع الخلفي لمصر كان تتم حراسته عن طريق مرسي مطروح، وقد عثر أخيرا علي تمثال جميل للقائد نب ـ رع، الذي كان مسئولا عن القاعدة العسكرية التي تحمي مصر من الغزوات التي تأتي من ليبيا، وسوف يعرض هذا التمثال بمدينة الاقصر من خلال معرض الجيش في عصر مصر الذهبي‏.‏

وتوجد في سيوة مجموعة من المقابر والتي ذكرنا أنها تقع في منطقة تعرف باسم جبل الموتي وتؤرخ بالفترة ما بين القرنين الرابع والثالث ق‏.‏م، وتلك المقابر تمت اعادة استعمالها خلال العصرين اليوناني والروماني، وهي تبعد بنحو كيلومترين عن مدينة سيوة، وقد جاء هذا الكشف نتيجة هروب اهالي سيوة الي الجبل خلال غارات الحرب العالمية الثانية‏.‏

ومن أهم المقابر الموجودة بجبل الموتي، مقبرة تعرف باسم مقبرة التمساح، وقد عرفت بهذا الاسم نظرا الي تهشم اسم صاحب المقبرة ولاعجاب اهالي سيوة بمنظر التمساح الذي يمثل موقعا بارزا في المقبرة، وكان قد عثر علي هذه المقبرة في عام‏1940‏ م وهي من أهم المقابر المنقوشة بالجبل، وتزخر المقبرة بمناظر كتاب الموتي، ومناظر أخري لصاحب المقبرة، وهو يتعبد لبعض الآلهة، وعلي جانب المدخل صور ثلاثة آلهة ممسكين بالسكاكين وذلك لغرض حماية صاحب الجثمان‏.‏

وكذلك يوجد بالموقع مقبرة سي ـ آمون وهي أهم وأجمل مقبرة في واحة بالصحراء الغربية، عثر داخلها علي عدد كبير من المومياوات، وتمثل هذه المقبرة التزاوج بين الفن المصري القديم والفن اليوناني، ويبدو أن صاحبها من اصل يوناني تزوج من مصر واستقر بها، ومن أهم مناظرها منظر قاعة محكمة أوزيريس، ومناظر للإلهة نوت ربة السماء، كما يوجد بالموقع مقبرة بي بر با تحوت، وكان هذا الرجل كاهنا للإله لأوزيريس حصل علي لقب العظيم في مدينة العادل والمستقيم، وبالمقبرة نص كبير عبارة عن نشيد موجه للإله تحوت، الي جانب منظر لطقسة دينية تعرف باسم سحب الثيران الأربعة‏.‏

وأخيرا، هناك مقبرة مسو ايزيس، التي يوجد بها نص يصف الإله أوزيريس باسم الإله العظيم المبجل في ثات، وربما يكون ثات هو الاسم القديم لسيوة، كما يوجد أيضا المعبد الثاني للإله آمون في ام عبيدة، وهو يقع بالقرب من معبد الوحي، وتم تشييد هذا المعبد في عهد الملك نختانبو الثاني‏(360‏ ـ‏343‏ ق‏.‏م‏)‏ احد ملوك الاسرة الثلاثين، إلا أن زلزال عام‏1881‏ م تسبب في تدمير هذا المعبد، ومن اهم مناظر المعبد تصوير ون آمون حاكم سيوة راكعا أمام الإله آمون‏.‏ وعلي بعد نحو خمسة كيلومترات جنوب المدينة، توجد مقابر منحوتة في الصخر في منطقة تعرف باسم جبل الدكرور، اهمها مقبرة نحتت في وسط التل وبها ستة أعمدة ومدخلها تجاه الغرب، كما توجد أيضا منطقة تعرف باسم منطقة الراقي تقع غرب الواحة، وكانت مشهورة بخصوبتها ولاتزال مشهورة بجودة مراعيها، وهذه المنطقة تضم عشرات المقابر المنقورة في الصخر، وقد استوطن الاهالي هذا الموقع لفترة طويلة في العصرين الروماني والمسيحي، كما يوجد بالمنطقة أيضا بقايا معبد شيدت اعمدته علي الطراز الدوري، وهذا هو المعبد الذي كشفه العالم الألماني شتيندروف‏Steindorff,‏ الذي اعتقدت المغامرة اليونانية انه معبد الاسكندر الأكبر‏.‏ ويبدو أن اهالي سيوة كانوا متعصبين للواحة ولا يريدون دخول دين جديد للمنطقة، ولذلك يعتقد أن المسيحية دخلت سيوة في القرن الرابع الميلادي، وان كان لا يوجد دليل أثري يؤكد ذلك، أما دخول الاسلام الي الواحة وبناء مدينة مشالي فهذا هو حديث مقالنا القادم بإذن الله‏.‏