Monuments and Secrets
Alexander the Great
The secret of visiting Siwa

Article by
Dr. Zahi Hawas

Part Three

Part one

آثار وأسـرار
الإسكندر الأكبر‏..‏ وسر زيارة سيوة‏!‏
بقلم‏:‏ د‏.‏ زاهي حواس

 

‏**‏ لايصدق الذين لم يزوروا سيوة أنها فعلا تلك الجنة المفقودة وأن سحرها وروعتها لامثيل لهما في أي بلد في العالم‏.‏ فهي فعلا الجنة التي كنت أبحث عنها دائما‏,‏ والتي لم أصدق أنني في هذه الجنة إلا بعد أن عشت بين أهلها ووجدت الطبيعة في أبهي صورها‏,‏ بل ووجدت الكل حريص ولأول مرة علي الحفاظ عليها وعدم المساس بها وبجمالها‏.‏
إن الجولة التي نظمتها السيدة فايزة أبوالنجا وزيرة الدولة للشئون الخارجية لمجموعة من السفراء ورجال الإعلام كانت هي نقطة البداية للحديث عن سيوة‏,‏ فوجدت أن سفراء الدول المختلفة الذين كانوا معنا في هذه الجولة يحلمون أيضا بالحفاظ علي هذه الجنة‏,‏ فمن أهم الانجازات التي شاهدتها هو قيام الوزيرة فايزة أبوالنجا بجلب الخبرات الأجنبية كي نستفيد منها بحيث يكون لدينا تصور لعمل مخطط شامل‏Master Plan‏ للواحة الرائعة جنة الأرض سيوة‏، لتكون نقطة تحول وبداية لإقامة مثل هذا التخطيط للمدن الأخري ذات الطبيعة الخاصة في مصر‏,‏ لأن الخالق اعطانا كما لم يعط أحدا‏,‏ فاعطانا سحر الطبيعة بآثارها الخالدة التي لن تتكرر‏.‏ ولذلك نتفق جمعيا علي أنه يجب أن يكون لدينا التخطيط الشامل الذي يتفق عليه الخبراء لأهمية هذه المواقع‏,‏ ويجب ألا يكون التخطيط من أجل الحفاظ علي الآثار فقط‏,‏ بل يشمل نشاطات أخري مثل السياحة والبيئة والسكان‏.‏

وقبل أن يتم هذا التخطيط يجب أن تشمل الدراسات آراء كل الأشخاص المتصلين بالموقع الدارسين له‏,‏ واحلامهم المستقبلية وماذا يريدون من هذا المكان؟ علي الا تتعدي هذه الاحلام الحدود المسموح بها وعدم الاساءة للبيئة والتراث‏.‏
وبعد أن ينفذ هذا التخطيط العام نعتبره دستورا ينفذه المسئولون السياسيون والتنفيذيون عن هذا الموقع‏,‏ كما يجب أن يكون تعامل المسئول مع هذا التخطيط بكل حرص فلا يكون له الحرية في عمل أي تعديل لهذا التخطيط‏.‏



واعتقد أن خطوة الوزيرة فايزة أبوالنجا جاءت في الوقت المناسب قبل أن يتم الاعتداء علي الواحة الجميلة وإذا لم يكن لدينا مسئول يعرف قيمة التراث مثل الفريق محمد الشحات‏,‏ فمن الممكن ان نفقد سحر الواحة وجمالها‏.‏ هذا السحر الذي جعل سفير النمسا في مصر يزور سيوة خمس عشرة مرة ويقول‏:‏ إنني سوف اترك عملي في مصر بعد أن قضيت أربعة أعوام رائعة من حياتي ولكن سيوة تركت في قلبي سحرا لن تمحوه الأيام وأوصي في كلمة عامة‏:‏ انه يجب ان نبقي علي الواحة كما هي وان نمنع التدفق السياحي المهدد لجمالها وهذا يجعلني وبسرعة أشدد في الدعوة لعمل مخطط شامل وذلك قبل الشروع في بناء المطار الجديد ورصف الطريق الذي يربط بين سيوة والواحات البحرية لان تلك المنشآت سوف تنقل سيوة إلي المدنية وتضاء الأضواء المبهرة ويتحول أهلها إلي أفندية وتضيع منا جنتنا المفقودة‏.‏
وسيوة لها مكان مميز ومهم في التاريخ المصري القديم بلغت أهميتها عندما قرر الإسكندر الأكبر المقدوني ان يزور هذه الواحة‏,‏ تلك الزيارة التي جعلت للواحة شهرة كبيرة وأصبحت المكان الخاص والمميز بالنبوءات بل هناك العديد من الشخصيات العالمية يذهبون لمعبد الوحي لمجرد ان القائد الشهير زار هذا المكان ودخل قدس الأقداس وقابل كبير الكهنة وتحدث معه عن أبيه الإله آمون وما حدث في هذا المكان وما سمعه الإسكندر الأكبر ظل سرا لم يعرفه احد لان الإسكندر الأكبر بعد ان غادر سيوة أقسم بانه لن يبوح بهذا السر لاحد الا عندما يعود إلي اليونان ويقابل أمه الملكة أوليمبياس ويحدثها بتفاصيل النبوءة‏.‏

هل قال له الإله آمون بأنه سوف يموت بعد أن يغادر مصر مباشرة؟ وهل أخبره بأن الامبراطورية اليونانية سوف تبقي علي قمة هذا العالم؟ وأن مصر سوف تبقي تحت هذه السيطرة لمدة ثلاثمائة عام؟ وهل قال له ان البطالمة الذين سيحكمون مصر من بعده سوف يصبحون مصريين من حيث العادات والتقاليد؟ بل ويكتبون اسماءهم داخل الخراطيش المصرية الملكية‏,‏ ويشيدون معابد مثل الفراعنة تماما أي أنهم اكتسبوا الشخصية المصرية‏.‏
 

هذه هي شخصية مصر لأن كل من جاءوا إليها سواء غزاة أم ضيوفا غاصوا في هذه الحضارة العظيمة وأصبحوا مصريين‏,‏ لأن فلسفة هذه الحضارة لا تجعل أي حضارة أخري تؤثر فيها‏.‏

وعندما جاء الإسكندر الأكبر إلي مصر ودخلها قائدا فاتحا استقبله المصريون بكل الحب والترحاب بعد ان ذاقوا الهوان علي يد الفرس ودخل الإسكندر الأكبر منف وذهب بعد ذلك إلي جزيرة راقودة وقرر أن يبني في هذا المكان مدينة تحمل اسمه وتصبح أهم مدينة في العالم الهلينستي وكلف المهندس المعماري اليوناني دقلديونس بإنشاء الإسكندرية‏.‏
وليس لدينا سبب واضح لمعرفة هذه الزيارة المفاجئة من القائد العظيم لواحة سيوة هل كان فعلا مؤمنا بالإله آمون ويعتبر نفسه أبنا له؟ أم أنه بعد أن قدم الكهنة المصريون الطقوس بمعبد الإله بتاح إله الصناع والفنانين وقام الإسكندر الأكبر بتقديم القرابين لهذا الإله والألهة المصرية الأخري وخاصة أن الإسكندر قد عرف أن المصريين داخلهم ثورة عارمة بعد أن قتل أخوس للعجل أبيس وعدم الاحترام الذي أبداه الملك الفارسي قمبيز للإله المصري ولذلك فنحن نعتقد أن الإسكندر الأكبر قد قام بكل ذلك حبا في المصريين واحتراما للآلهة المصرية وخاصة عندما نعرف أن الملك قمبيز قرر أن يزور سيوة كي ينزل العقاب بكهنة آمون الذين تنبأوا بنهاية مؤلمة له في مصر‏.‏

ويبدو أن النبوءة كانت حقيقية حيث هبت العواصف في الصحراء وأهلكت جيش الفرس‏,‏ لذلك فإن ما حدث للجيش الفارسي والنهاية المؤلمة التي نالها قمبيز زادت من هيبة نبوءة آمون‏.‏
ومن غرائب الامور أن الباحثين والمغامرين مازالوا يحلمون باليوم الذي يتم فيه العثور علي جيش قمبيز في الصحراء الغربية هذا الجيش الذي كان يتكون من أكثر من‏50,000‏ فهل يختفي بهذه الصورة؟
 

 

وحاول العديد من الأجانب استخدام الطائرات والعربات بل وهناك العديد من الأجانب الذين مازالوا يجوبون الصحراء للعثور علي أي دليل للجيش الفارسي‏,‏ ونسمع العديد من القصص حول هذا الكشف‏,‏ لأن هناك العديد من الأجانب الذين يذيعون اكتشافات وهمية عن هذا الجيش ولكن بلاشك أن رمال الصحراء مازالت تخفي الهياكل العظمية لهؤلاء الجنود والأسلحة والمعدات‏,‏ فنحن لانعرف ماذا تخفي الرمال من أسرار‏.‏
ويبدو أن سيوة أصبحت في العصور الحديثة مقبرة للغزاة وخاصة أن مخطوط سيوة يسجل أن هناك جيشين دفنتهما العواصف الرملية في العصور الحديثة ويعتقد ان هذه روايات وغير حقيقية وما هي الا صدي لاختفاء جيش قمبيز‏.‏

ويبدو أن الإله آمون كان له صدي واسع في العالم الخارجي وخاصة عندما نعرف أن القائد الأثيني الشهير سيمون بن ملتيادس حاصر جزيرة قبرص عام‏450‏ ق‏.‏م ولكن أهالي الجزيرة قاوموا هذا الحصار مدة طويلة وطلب بنبوءة آمون هذا بالاضافة إلي الشاعر الغنائي اليوناني مسنذار الذي عاش في‏518‏ ـ‏438‏ ق‏.‏م والذي كان من أشهر المعجبين بنبوءة آمون وهناك نبوءة أخري شهيرة عن طريق الإله آمون عندما تنبأ بفوز يوستياس بجائزة سباق العدو في الدورة‏93‏ للأوليمبياد عام‏408‏ ق‏.‏م ويبدو ان يوستياس كان واثقا من الفوز واخذ معه تمثالا لنفسه وعندما فاز شاهد الجماهير تمثال البطل وهذا يجعلنا نؤكد أن هذه الروايات والقصص الكثيرة عن نبوءة الإله آمون قد جعلت الإسكندر الأكبر يذهب إلي سيوة ليس لكسب ود المصريين فقط‏,‏ بل لانه يريد ان يعرف مستقبل الامبراطورية التي يريد ان يشيدها في العالم القديم‏.‏
ويبدو أن تلك المعرفة التي اكتسبها الإسكندر الأكبر عن نبوءة آمون قد يرجع الفضل فيها إلي معلمه أرسطو الفيلسوف اليوناني الا أننا لانستطيع أن ننكر تلك الثقافة الواسعة التي تحلي بها الإسكندر فقد قرأ ملحمة الملاحم الإلياذة والأوديسة للشاعر اليوناني العظيم هوميروس‏.‏

 

ولذلك يعتقد العلماء أن ما قاله اريانوس الكاتب اليوناني والذي قدم لنا حياة الإسكندر الأكبر كاملة حتي وفاته ان الإسكندر بعد ان أسس مدينة الإسكندرية جلس يفكر في مستقبله‏,‏ ولذلك قرر أن يذهب إلي سيوة لرؤية نبوءة جوبتر ـ آمون وخاصة لان أغلب النبوءات جاءت من هذا الإله الذي ارتبط بالإله جوبتر وقد يفسر ذلك انتشار عبادة آمون في العديد من المدن الإفريقية وبناء معابد في أثينا وقد جعل إنشاء مدينة الإسكندرية والحياة فيها ووصول الفلاسفة اليونانيين إلي مصر مثل صالون الاثيني الشهير افلاطون وغيرهم أن يؤكد ان مصر هي مهد الحضارة والعلم والموسيقي والفنون وهذا ما أكده هيرودوت أبو التاريخ عندما زار مصر وتحدث باعجاب عن حضارة لم ير لها مثيلا من قبل لذلك فإن نبوءة آمون لم تكن غريبة عن الفاتح المقدوني الإسكندر الأكبر‏.‏
وتعتبر نبوءة سيوة واحدة من أشهر سبع نبوءات في العالم القديم وقد حاول الحكماء أن يثنوا الإسكندر عن زيارة واحة سيوة لخوفهم من أن المياه التي سوف يحملونها معهم لن تكفي القافلة‏,‏ بالإضافة إلي خوفهم من حدوث رياح عاصفة كتلك التي أهلكت جيش قمبيز ولكنه صمم علي ضرورة الوصول إلي سيوة ومقابلة الإله آمون‏.‏

ويقال إن الإسكندر الأكبر قد تاه في الصحراء ولم يستطع الأدلاء ارشاده إلي الطريق الصحيح ولكن يبدو ان الإله آمون ساعدهم وجعل الطيور ترشدهم الي الطريق وعندما وصل الإسكندر الأكبر الي الواحة ذهب إلي المعبد مباشرة فاستقبله كهنة المعبد بحفاوة بالغة ورحبوا به علي أنه الإسكندر الأكبر ابن زيوس آمون سيد كل البلاد ودخل المعبد وزار الإله آمون في قدس الاقداس حيث قاربه المقدس وقدم اليه القرابين‏.‏
أما عن المعبد نفسه فقد زرناه برفقة العالم الألماني كولمان الذي يعمل في ترميم وحفر المعبد وكانت المفاجأة هي أن كولمان قد كشف عن قصر داخل المعبد يعتقد أن هذا القصر قد تم بناؤه قبل عصر الإسكندر وقد شيد هذا المعبد علي صخرة أغورمي وطبقا للنصوص المسجلة علي جدران قدس الأقداس فإن تاريخ تشييده يرجع إلي الأسرة‏26‏ حوالي‏664‏ ق‏.‏م وبالتحديد في عهد الملك أمازيس‏(569‏ ـ‏526‏ ق‏.‏م‏)‏ وإن كانت قد أجريت عليه بعض التعديلات وأضيف اليه بعض الاضافات في الأزمنة اللاحقة‏.‏
 

ويبدأ تخطيط المعبد بمدخل يؤدي إلي ممر وفي نهاية الممر نجد علي اليمين مدخلا صغيرا يؤدي إلي مسجد إسلامي ذي مئذنة بني من كتل الاحجار القديمة وتقع أمامه مباشرة البئر القديمة‏.‏
وحتي وقت قريب كانت واجهة المعبد تختفي وراء جدران منازل القرية وكان المعبد نفسه تسكنه عدة عائلات بعد ان اقيمت عدة جدران داخل وفوق المعبد ويقع جدار المعبد الخلفي الآن علي حافة الصخرة المتصدعة‏.‏

والمعبد بصفة عامة في حالة جيدة وأمامه يمتد الفناء الذي كان يسير فيه موكب الإله آمون ويتكون المعبد الذي يقع مدخله علي المحور الجنوبي من صالتين يكتنفهما قدس الأقداس الذي يقع مدخله علي المحور الرئيسي للمعبد‏.‏ أما الفناء المفتوح الذي يتقدم المعبد فيقع علي مسافة قصيرة من الصخرة الهابطة داخل الحصن والفناء الثاني أعلي منسوبا من الفناء الأول ويوجد في الجدار الشمالي من الفناء الثاني ثلاثة مداخل يؤدي الأوسط منها إلي قدس الأقداس الذي دخله الإسكندر وحده لسماع اجابات نبوءة آمون وتعتبر تلك المنطقة من المعبد هي الجزء الوحيد الذي يحتوي علي نقوش والتي تبدأ علي جانبي المدخل وتستمر حتي الجدران الجانبية‏.‏ والمناظر بصفة عامة خاصة بالإله آمون وثالوثه المقدس وهناك مناظر أخري تمثل حاكم سيوة متشبها بالأوضاع الملكية يقدم القرابين لثمانية من الآلهة‏.‏
وقد وقفت داخل قدس الأقداس وبجواري الصديق الكاتب عادل حمودة وعلي غير العادة لم يسألني سؤالا أثريا‏!‏ ولكن ظل الصمت هو سمة هذا اللقاء واعتقد بأننا كنا نفكر في اللحظة التي دخل فيها الإسكندر الأكبر قدس الأقداس وسمع النبوءة وبعدها غادرنا معا المكان وهنا قلت‏:‏ إن الإسكندر عندما غادر سيوة لم يكن طريق عودته من الطريق الذي حضر منه وهو براتيونيوم‏(‏ مرسي مطروح حاليا‏)‏ ولكنه سار في اتجاه الواحات البحرية وهناك استقر بعض الوقت وأمر بإنشاء المعبد الوحيد الذي بناه الإسكندر في مصر للإله آمون‏.‏

وقد قمت بنفس الرحلة العام الماضي متتبعا لخطوات الإسكندر الأكبر في طريق صعب إلا أن السير فيه مغامرة تستغرق حوالي ثماني ساعات‏.‏ وفي اليوم الأخير لوجودنا بالجنة المفقودة ألقيت محاضرة باللغة الانجليزية للسفراء الأجانب بناء علي طلب الوزيرة فايزة أبوالنجا موضوعها عن اكتشاف وادي المومياوات الذهبية بالواحات البحرية والمفاجأة أن أهالي سيوة حضروا المحاضرة بل وسألني احدهم هل يمكن أن تصبح سيوة في شهرة الواحات البحرية؟ فقلت له ان عام‏2004‏ هو عام سيوة خاصة لان هوليوود تنتج فيلما عن الإسكندر الأكبر وهناك أيضا العديد من القنوات العالمية تنتج الآن فيلما عن خطوات الإسكندر الأكبر‏,‏ أما حكاية الكشف عن الواحة المندثرة التي لم تكن معروفة من قبل فهذا حديث المقال القادم بإذن الله‏.‏